gassi larabi tel: +21272392444 NEON
اللوحات الأشهارية و النيون

:: الدعوةالى الله

الاستنساخ

     إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .

     وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله ، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد فى الله حق جهاده حتى أتاه اليقين ، فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته ، وصلى اللهم وسلم  وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .

أما بعد :

فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء وأيها الأخوة الكرام الأعزاء وطبتم جميعا وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً . وأسأل الله العظيم الكريم جل وعلا الذي جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته أن يجمعنا وإياكم مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك والقادر عليه .

 

 

 

 


 

أحبتي في الله  :

قنبلة علمية أذهلت العالم كله فى الأيام الماضية !!

بل وأصابت العالم كله بالدوار !!

وذلك من خلال ما يسمى بالإستنساخ !!

     ونظرا لأن الموضوع يمس العقيدة ويمس قدرة الله فى قلوب المسلمين رأيت أنه من لواجب علىّ في مثل هذا الجمع المهيب .. في مثل هذا اليوم الكريم الحبيب أن أبين الحق فى هذا الموضوع الخطير ليزداد الذين أمنوا إيماناً ولا يرتابوا في عظيم قدرته وجلال عظمته جل وعلا .

ومن ثم كان لقاؤنا فى هذا اليوم المبارك بعنوان

(( الاستنساخ ))

    وكعادتنا فسوف ينتظم حديثنا مع حضراتكم فى هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية :

أولا : العلم يدعو إلى الإيمان .

ثانيا : هل خلقوا نعجة بالفعل ؟!

ثالثا : هذا خلق الله .

وأخيرا : يا أيها الإنسان ما غرك !!

     فأعيروني القلوب والأسماع جيدا أيها الفضلاء الكرام والله أسأل أن يتقبل منى ومنكم جميعا صالح الأعمال .

أولاً : العلم يدعو إلى الإيمان

     إن نور الوحي لا يطمسُ نور العقل أبداً بل يباركه ويزكيه ، ويقويه شريطة أن يذعن العقل مع الكون كله لله رب العالمين .

    وإنه لواجب علينا أن نحترم العقل والإدراك البشرى بالقدر الذي أراده الله له من التكريم في مجاله الذي يحسنه ويبدع فيه حتى لا نمضى بالعقل البشرى والإدراك البشرى بعيداً بعيداً عن حدود هذا المجال وعن حدود قدراته وإبداعه وحتى لا نمضى فى التيه والضلال بلا دليل أو برهان :

    أيها الأحبة الكرام :

    ما كان الإسلام أبداً ولن يكون نداً للعلم 00 وكيف ذلك ؟!!

    والإسلام هو الذي دعا للعلم منذ لحظاته الأولى يوم أن تنزلت الآيات على قلب الأمي الذي علم المتعلمين نزل عليه قول الله جل وعلا :

  ]اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ % خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ % اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ % الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ % عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[ [العلق:1 _ 5]

    وقال سبحانه : ]إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[ [لقمان:34]

    فالعلم صفة من أَجَلِّ صفات الله جل وعلا :

    فالله جل جلاله يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون ومالم يكن لو كان
كيف يكون .

    قال تعالى : ]وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[ [الأنعام:59]

   ولكن الله جل وعلا قدر منذ الأزل وشاء منذ الأزل أن يعلم الإنسان شيئا من علم الله في الوقت الذي يشاءه الله ، وبالقدر الذي يريده الله قال جل فى علاه : ]وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ[ [البقرة: 255]

     وقال جل جلاله : ]وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ % قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ % قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ[

[البقرة:31-33]

     فكل علم يعلمه الإنسان اليوم إنما ورثه الله جل وعلا لهذا الإنسان من خلال أبيه آدم الذى علمه الله أسماء وعلوم كل شئ وظل هذا العلم مكنوناً فى هذا الكون .

    إن الإنسان الذى أسكرته نشوة العلم وأعماه غرور العلم .

     هذا الإنسان إلى الآن لا يعلم نفسه !! لا يدرى حقيقة مشاعره !! لا يدرى حقيقة عقله !! لا يدرى حقيقة روحه !!

    ومع ذلك فإنه يتبجح ويستعلى على الله بما شاء وأراده الله له أن يكتشفه !! وهنا فإن العلماء ينقسمون تجاه الآيات الكونية والآيات العلمية إلى قسمين :

       القسم الأول : فريق من العلماء تزيده الاكتشافات العلمية عناداً وإلحاداً كبراً
وطغياناً وكفراً !!

    وهؤلاء عند الله بعلومهم أضل من البهائم قال تعالى :

     ]وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[ [لأعراف:179]

     القسم الآخر : تزيده الاكتشافات العلمية والآيات الكونية إيمانا برب البرية وهؤلاء الذين قال الله فى حقهم :

]إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء[                    [فاطر: 28]

   أيها الأحبة الكرام :

   العلم يدعو إلى الايمان بالله جل وعلا وأختم هذا العنصر الهام بكلمات دقيقة لعالم الطبيعة الفيلسوف الأمريكى ( ماريت ستانلى ).

   إذ يقول : إن العلوم التى يصل إليها الانسان تبدأ بالاحتمالات وتنتهى كذلك بالاحتمالات ، وأن أى نتيجة يصل إليها الانسان من خلال نظرية علمية ليست نهائية وإنما هى إجتهادية وقابلة للتعديل بالإضافة أو الحذف وإننا لنرى العَالِم عندما يصل إلى قانون أو نظرية يقول : هذا ما وصلنا إليه حتى الآن ثم يترك الباب مفتوحاً لما يستجد من التعديلات .

   وهذه الكلمات تلخص حقيقة ما وصل إليه العلم من نتائج فى أى جانب من الجوانب.

   فطالما أن الانسان هو الذى يحاول الوصول إلى هذه النتائج فأنه من الحتم أن تكون هذه النتائج مطبوعة بطبائع الانسان أى لها نفس خصائصه من قصور وجهل وخطأ ومحدودية ونقص !!

     فالانسان محدود من ناحية الزمان ومن ناحية المكان ومحكوم بقصوره وجهله وضعفه وشهواته ونزواته .

    فالوسيلة التى يصل بها الانسان إلى أى نتيجة هى التجربة والقياس ، وهذه الوسيلة باعتراف أهل العلم قاطبة تؤدى إلى نتيجة ظنية وليست يقينية .

    ولا سبيل أبدا إلى نتيجة قطعية وحقيقية يقينية إلا عن طريق هدى الله الذى
يبينه للناس.

    ومن ثم يبقى علم الانسان لنفسه علماً ظنياً لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال من الأحوال.

    وهذا هو ما أثاره العلماء المتخصصون من تساؤلات حول استنساخ النعجة دوللى .

    وهذا هو عنصرنا الثانى : هل خلقوا نعجة بالفعل ؟!

 


 

هل خلقوا نعجة بالفعل ؟!

     لقد ثار العالم كله وهز مشاعره خبر هذه النعجة المستنسخة فى معهد روزلين باسكتلندا واصطاد العلمانيون فى الماء العكر وخرجوا علينا بكلمات خبيثة تزعزع العقيدة فى قلوب ضعاف النفوس الذين لا يخلوا منهم زمان ولا مكان .

    خرج علينا من يقول : (( انتهت أسطورة الأمومة ))!!!

   وخرج علينا من يقول : (( لم تعد هناك حاجة لدور ملُحٍ للرجل )) !!!

   وخرج علينا من يقول : (( لقد آن الآوان للعذراء التى لم تتزوج أن تختار طفلاً بالصفات الوراثية التى تشاء دون الزواج ))!!!

    وخرج علينا من العلمانيين من يقول : (( لقد أحدثت النعجة دوللى إنقلابا فى كل الموازين والمقاييس ))!!!

    وخرج علينا من يقول : (( النعجة دوللى قلبت كل الموازين والمقاييس البيولوجية والأخلاقية والدينية منذ أن خرجت إلى النور فى يوليو  ووضعت الانسان فى حَيْص بَيْص ، لسبب بسيط وهو أنها ولدت بدون أب ))!!(1) .

    وخرج العالم كله والعلمانيون يطبلون ويزمرون .

    وهذه كلها مغالطاتُ وأوهام سخيفة .

    فماذا حدث بالفعل حتى لا تختل العقيدة فى قلب مسلم أو مسلمة ؟!!

    ولتقفوا على حقيقة ما حدث ليمتلىء قلبك الآن بعظمة الملك 00 وجلال الملك .. وقدرة الملك جل جلاله .

    ما حدث بالفعل أن هذا الفريق العلمى قد أخذ خَليَّة من ثدى نعجة  ومنطقة الثدى تسمى ((activearea)) أى منطقة نشطة .

    هذه الخلية تحتوى على كافة الجينات التى تحمل كل الصفات الوراثية وهذه الخلية الحيوانية تحتوى على أثنين وخمسين كروموزوم ناتجة عن تلقيح حيوان منوى لبويضة ، والحيوان المنوى فى الحيوان يحتوى على ستة وعشرين كروموزوم والنواة فى البويضة تحتوى على ستة وعشرين كروموزوم والنواة فى البويضة تحتوى على ستة وعشرين كروموزوم . فإذا ما إجتمع هذا العدد فى الحيوان المنوى مع هذا العدد فى نواة البويضة وخصبت البويضة تكونت الخلية التى تحتوى على إثنين وخمسين كرومزوم .

    أما الخلية فى الانسان فإنها تتكون من ستة وأربعين كرومزوم ، ثلاثة وعشرين كرومزوم فى الحيوان المنوى للرجل ، وثلاثة وعشرين كرومزوم فى بويضة المرأة .

    إذن فهذه الخلية تنتج حتما تلقيح الحيوان المنوى للبويضة ثم تتوالى إنقساماتها بعـد ذلك لتخليق أعداد هائلة من الخلايا الخاصة بالقلب والكبد

والرأس وغيرها من أجزاء الجسم .

    ماذا فعل هذا الفريق العلمى فى اسكتلندا ؟!!

    أخذوا هذه الخلية التى أخذت من ثدى النعجة وضعوها فى بيئة ذات تركيز غذائى منخفض لتجويع الخلية حتى لا تنقسم .

المرحلة الثانية : أخذوا بويضة من نعجة ثانية لم تخصب بحيوان منوى أى تحتوى على ستة وعشرين كرومزوم فقط فأزالوا النواة أو الدانا  DNA  من هذه البويضة أى تخلصوا من هذا القدر من الكرومزومات ثم دمجوا الخلية الأولى التى تحتوى على 52 كرومزوم ودمجوها عن طريق الحث الكهربى بالبويضة الجديدة التى نزعوا منها النواة .

    وبعد ستة أيام حملوا هذه البويضة الجديدة التى تحتوى على كافة الجينات كما لو كانت ملقحة .

    حملوها إلى رحم نعجة أخرى ثالثة فأخرجت نعجة صغيرة هى نسخة من الأم الأولى التى أخذوا منها الخلية الأولى التى تحتوى على 52 كرومزوم .

    هذا هو كل ما حدث فى موضوع الاستنساخ ببساطة شديدة !!!

     ثم خرج علينا من يدَّعى أن الانسان قد شارك الله فى الخلق !!!

     أقول بعد هذا البيان : هل يدعى عاقل يحترم نفسه ويحترم عقله أنهم خلقوا نعجة ؟!!

     إن الخلق إيجاد من عدم وليس تركيب مكونات هى أصلاً من خلق الملك!!

      وأنا أسأل علماء الهندسة الوراثية على وجه الأرض بل وأتحدى أمام هذا الجمع أن يخلق علماء الهندسة الوراثية حيوانا منويا واحدا أو أن يخلقوا بويضة أو أن يخلقوا خلية !!!

     لماذا ذهبتم إلى الخلية التى هى أصلاً من خلق الملك فأخذتموها وأجريتم التجارب ؟!!

      لماذا لم توفروا على أنفسكم هذا الجهد الهائل وهذه المليارات الطائلة وتخلقوا خلية من أول الأمر تحمل كل الصفات الوراثية التى تريدونها والتى لا تريدونها ؟!!

 فالخلية خلق مَنْ ؟!

    والحيوان المنوى خلق مَنْ ؟! والبويضة خلق مَنْ ؟!

     ((ذلكم الله فأنى تؤفكون))

    ثم ها أنذا أتساءل وأقول : أيهما أيسر أن نستنسخ إنساناً جديداً أم أن نبقى حياة إنسان يعيش بيننا ؟!

     الجواب : أن نبقى حياة إنسان يعيش بيننا .

    إننا نتحدى الدنيا وعلماء الهندسة الوراثية فى أمريكا وبريطانيا واسكتلندا وإيطاليا والصين وفى كل الأرض نتحداهم أن يخلدوا ( بيل كلينتون ) أو (جون ميجور ) أو (نتنياهو ) .

    قال تعالى : ]وَمَـا جَعَلْـنَا لِبـَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ  % كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[ [الانبياء: 34]

    اسمع أيها الموحد لربك ليمتلىء قلبك إيمانا بالله إسمع لقول الله :

]يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[                                           

[الحج:73_74]

إننا نتحدى وسيظل التحدى قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فإن استطاع الإنسان أن يستنسخ جنينا حيوانيا فإن الأمر فى الجنين الإنسانى يختلف تماما .

    وهذا ما أكده جميع علماء الهندسة الوراثية .

    والسبب هو أن الداناDNA) )  من أجنة الأغنام تختلف عن الدانا من أجنة الإنسان .

فضلا عن أن الجنين فى بطن أمه فى وقت محدد معلوم ينفخ الله فيه روحه ثم يُنشأ
خلقا آخر .

    وعند هذه اللحظة التى تدب فيها الحياة فى هذا الجنين خرج العالم الفرنسى الكبير (الكسيس كاريل) الذى ظل يتابع الجنين يوما بيوم ، وساعة بساعة .

  وحينما تحرك الجنين فى بطن أمه ودبت فيه الحياة بعدما نفخ الله فيه من روحه خرج العالم وقال : ((Here is GoD)) .. ((هنا الله)) .

    من أين جاءته هذه الحياة ؟!! أأله مع الله ؟!!

    ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))

((  هذا خلق الله  ))

    يقول سبحانه : ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ % ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[ [الحج:5]

      وقال سبحانه : ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ % ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ % ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[

[المؤمنون:12- 14]

وقال سبحانه : ] أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً % أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى % ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى % فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى % أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى[ [القيامة:36 40]

    فسبحان من خلق فسوى وقدَّر فهدى وجعل الزوجين الذكر والأنثى من نطفة
إذا تمنى.

    سبحانه من شملت قدرته كل مقدور .. ومشيئته فى خلقه بتصاريف الأمور

]يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ % أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيما[ [الشورى:49-50]

      والله لو فكر الإنسان المغرور فى الحكمة من خلق الإنسان من ذكر وأنثى لسجد لله شكراً على هذه النعمة .

بل وكم من نعمة تغمرنا آناء الليل وأطراف النهار !!! ونحن غافلون .. سادرون بل ومن الناس متجبرون كافرون !!.

    فلو خلق الله الإنسان من خلية واحدة تنقسم كما تنقسم البكتيريا لأصبح ملايين البشر نسخة واحدة مملة مكررة !!

     ولكن الحكيم الخبير جل وعلا ربط التناسل بالذكر والأنثى لينفرد كل إنسان عن غيره حتى ولو كانوا توأمين !!

     فالخلايا تحمل الكروموزومات التى تحمل الصفات الوراثية وتنقسم الخلية فى خصية الرجل وفى مبيض المرأة بحيث يحتوى الحيوان المنوى على نصف العدد من هذه الكروموزونات وكذلك البويضة عند المرأة .

    فإذا اجتمعنا كونا النطفة الأمشاج أى المختلطة من ماء الرجل وماء
المرأة وهكذا .

    قال تعالى :  ]وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ[ [الروم:22]

     إذن فالنطفة الأمشاج هى بداية مرحلة خلق الإنسان .

     والله لو فكر الإنسان بإنصاف فى مراحل أطوار الجنين فى بطن أمه لسجد مع الكون كله لله رب العالمين .

     فها هو الرجل يلتقى بامرأته ويُلقى نطفته التى تحتوى على مئات الملايين من الحيوانات المنوية التى تنطلق لتبحث عن البويضة .

     والبويضة لا تخرج من المبيض عند المرأة إلا مرة واحدة فى الشهر .

     تخرج وعليها تاج مشع كأنها عروس تتهادى وتبعث شيئاً من أريجها لتلك الحيوانات الهائلة التى تقطع المفاوز والمخاطر لعلها تحظى ولو بنظرة إلى هذه العروس الفاتنة الجميلة فتهلك كل هذه الحيوانات المنوية ويختار الله جل وعلا حيواناً منوياً واحداً من هذه الملايين ليصل سالماً إلى البويضة !!

     ولم يكتشف العلماء هذه الحقيقة العلمية إلا فى القرن العشرين فى الوقت الذى أخبر عنها المصطفى منذ مئات السنين .

     ففى صحيح مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى أن الحبيب النبى r قال ((ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شىء لم يمنعه شىء)) (1)

    يختار الله جل وعلا حيوانا منوياً واحداً من بين هذه الملايين ليصل سالماً إلى البويضة تلك العروس المزينة فتهش له مرحبة وتفرز مادة لزجة لتسهل للحيوان المنوى أن يلتصق بجوارها.

    ويقوم الحيوان المنوى هو الآخر بفرز مادة خاصة لها القدرة على إذابة جزء من المنطقة المشعة أو التاج المشع المحيط بالبويضة .

    فإذا ما دخل الحيوان المنوى أغلقت الباب وأحكمته تماماً .

    فإذا ما تم التخصيب وتكونت النطفة الأمشاج من الحيوان المنوى والبويضة ، يصنع الله جل وعلا للبويضة الملقحة جداراً سميكاً مصمتاً لا يمكن لأى حيوان منوى آخر اختراقة كما أن البويضة تخلع عنها تاجها المشع الذى كان يغرى الحيوانات المنوية بالإقتراب منها.

    ومنذ هذه اللحظة تبدأ بالإنشطار فى الخلية فتتحول إلى خليتين والخليتان إلى أربع وهكذا حتى تتكون مئات الخلايا على هيئة ثمرة التوت ،وفى خلال خمسة أيام أو سبعة أيام على الأكثر تكون قد وصلت إلى الرحم الذى استعد لها هو الآخر بالفرش والوسائد أى بالأوعية الدموية التى تغذيها وتنميها .

     ثم تتحول هذه النطفة الأمشاج بعد ذلك إلى المرحلة التالية وهى مرحلة العلقة وسميت بذلك لتعلقها بجدار الرحم .

     وتبدأ العلقة فى اليوم السابع فى التمايز إلى طبقتين خارجية وداخلية أما الخارجية فهى تأكل خلايا الرحم لتمتص الغذاء منها .

     وأما الداخلية فوظيفتها تكوين الجنين .

     وفى الأسبوع الرابع تتحول هذه العلقة إلى مضغة وقد سميت بذلك لانها بمقدار ما يمضغ من اللحم وقد بين العلم الحديث أن الجنين فى هذه المرحلة يبدو وكأن أسنانا قد غرزت فيه ومضغته ثم قذفته ثم تتحول هذه المضغة بقدرة الله جل وعلا إلى عظام وعضلات .

     وفى الأسبوع السادس والسابع تُكْسى هذه العظام باللحم .

     ثم يأتى الطورُ الأخير وهو طور التصوير والتسوية والتعديل ثم النفخ فى الروح وصدق ربى إذ يقول :

]وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ % ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ % ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[ [المؤمنون:12]

    وفى الحديث الذى رواه مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى أن النبى  قال : (( إذا مَرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكان ، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب! أذكر أم أنثى ؟ فيقضى ربك ما يشاء ، ثم يقول يا رب ! رزقه . فيقضى ربك ما يشاء ، ويكتب الملك . ثم يخرج المَلَكُ بالصحيفة فى يده ، فلا يزيد على ما أُمر ولا ينقص )) (1).

     وفى رواية بالصحيحين من حديث أنس أنه  قال :

 ((إن الله عز وجل قد وَكَّلَ بالرحم ملكاً فيقول : أى رب نطفة . أى رب ! علقة ، أى رب ! مضغة . فإذا أراد الله أن يقضى خلقاً قال الملك : أى رب ! ذكر أو أنثى ؟ شقىٌ أو سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيكتب كذلك فى بطن أمه )) (2)

      إذا كان العلم الحديث يستطيع أن يتعرف على نوع الجنين فى مرحلة معينة من مراحل النمو فإن الله جل وعلا قد علم نوع الجنين قبل أن يلتقى الرجل مع امرأته .

   ويعلم الله هل سيكون المولود ولداً أم أنثى .

   ويعلم الله هل سيكون هذا المولود شقياً أم سعيداً .

   ويعلم الله رزقه ويعلم الله بأى أرض يموت . اسألوا أهل العلم وقولوا لهم أأنتم أعلم أم الله ؟!

قل للطبيب تخطفته يد الردى
قل للمريض نجا وعُوفي بعدما
قل الصحيح مات لا من علة
بل سائل الأعمى خطى وسط الزحام بلاً
بل سائل البصير كان يحذر حفرةً
وسل الجنين يعيش معزولاً بلا راع
وسل الوليد بكى وأجهش بالبكاء
وإذ ترى الثعبان ينفث سمه
وأسأله كيف تعيش يا ثعبان
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت
بل سائل اللبن المصفى من بين فرث
وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا
وإذا رأيت النبت فى الصحراء يربو

 

 

يا شافى الأمراض من أرداك ؟!
عجزت فنون الطب من عفاك ؟!
من يا صحيح بالمنايا دهاك ؟!

أصطدام من يا أعمى يقود خطاك؟!

فهوىَ بها من ذا الذي أهواك ؟!
ومرعى من ذا الذي يرعاك ؟!

لدى الولادة ما الذي أبكاك ؟!
فسله من يا ثعبان بالسموم حشاك ؟!
أو تحيا وهذا السم يملأ فاك

شهداً وقل للشهد من حلاك ؟!
ودم من ذا الذي صفاك ؟!
ميت فاسأله من أرباك ؟!

وحدة فاسأله من أحياك ؟!

وإذا رأيت النخل مشقوق النوى
وإذا رأيت البدر يسرى ناشراً
وإذا رأيت النار شب لهيبها
وإذا ترى الجبل الأشم مناطحا قمم
لله فى الآفاق آيات
ولعل ما فى النفس من آيات عجب
 والكون مشحون بأسرار إذا
 

 

فسأله من يا نخل شق نواك ؟!
أنواره فسأله من أسراك ؟!
فسأل لهيب النار من أوراك ؟!
السحاب فسله من أرساك ؟!
أقلها هو ما إليه هداك ؟!
عجاب لو ترى عيناك ؟!
حاولت تفسيرا لها أعياك ؟!


أإله مع الله ؟!  أإله مع الله  ؟! أإله مع الله ؟!!

سل الواحة الخضراء والماء جاريا
سل الروص مزدانا سل الزهر والندى
سل هذه الأنسام والأرض والسما
ولو جن هذا الليل وامتد سرمدا

 

وهذه الصحارى والجبال الرواسيا
سل الليل والأصباح والطير شاديا
سل كل شىء تسمع التوحيد لله ساريا
فمن غير ربى يرجع الصبح ثانيا

أإله مع الله ؟! أإله مع الله   ؟!     أإله مع الله  ؟!!                                                                        

انظر لتلك الشجرة
كيف نمت من حبة
ابحث وقل من ذا
ذاك هو الله
ذو حكمةٍ بالغةٍ
 

 

ذات الغصون النضرة
وكيف صارت شجرة
الذى يخرج منها الثمرة
الذى أنعمه منهمرة
وقدرةٍ مقتدرة

 


 

وأخيراً : يا أيها الإنسان ماغرك ؟!!

     عتاب مخجل من الله للإنسان الذى يقف بين يديه سبحانه وهو مقصر مذنب !! مغتر ، متبجح !! غير مقدر لعظمة الله وقدرته وجلاله .

]يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ % الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ % فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ[   [الانفطار:6/8]

    أيها الإنسان المغرور من تكون ؟! وأين أنت من خلق السموات والأرض؟!!

    قال سبحانه : ]لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ[ [غافر:57]

    فالسموات والأرض معروضتان للإنسان يراهما بالليل والنهار ويستطيع أن يقيس نفسه إليهما فإذا علم حقيق النِّسَب والأبعاد وحقيقة القوى والأحجام يتصاغر ويتضاءل ويعلم أنه لا ذكر له ولا كرامة إلا بتكريم الله له ، وتشريفه بعبوديته له جل وعلا لينسجم مع هذا الكون الهائل الذى جاء مطيعاً منقاداً لله جل جلاله .

] ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ[ [فصلت:11]

     فيا أيها الإنسان المغرور اعرف قدر ربك لتعرف قدر نفسك !!

     اعرف عظمة ربك لتعرف قدر نفسك !!

     اعرف كمال ربك لتعرف ضعف نفسك  : ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ % إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ % وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ[ [فاطر:15/17]

                                                                                              ........... الدعـــاء

 



(1) الأهرام فى 22/3/1997 بقلم : عزت السعدنى .

(1) رواه مسلم رقم (8341) فى النكاح باب حكم العزل .

(1) رواه مسلم رقم (2645) فى القدر باب كيفية الخلق الآدمى فى بطن أمه .

(2) رواه البخارى ومسلم رقم (2646) فى القدر باب كيفية الخلق الآدمى فى بطن أمه .

(0) تعليقات

:: **مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا **

انتبه ! فإن الموت قادم
 
 

الحمد لله الذى أذل بالموت رقاب الجبابرة ... الحمد الله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة فنقلهم بالموت من من القصور إلى القبور .. ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود .. ومن ملاعبة الجوارى والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان .. ومن التنعم فى الطعام والشراب إلى التمرغ فى الوحل والتراب.

وأشهد أن لا إله إلا الله .. وحده لا شريك  له.

ينادى يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول: أنا الملك .. أنا الجبار .. أنا المتكبر .. أنا العزيز .. ثم يقول جل وعلا: لمن الملك اليوم؟ ويجيب على ذاته سبحانه، ويقول: لله الواحد القهار.

سبحانه .. سبحانه .. سبحانه .. سبحان ذى العزة والجبروت.. سبحان ذى الملك والملكوت .. سبحان من كتب الفناء على جميع خلقه وهو الحى الباقى الذى لا يموت.

وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله.. وصفيه من خلقه وخليله شرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عنه وزره، وفضله على جميع خلقه وزكاه فى كل شئ، وبعد كل هذا خاطبه بقوله: إنك ميت وأنهم ميتون. فاللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتبعاه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد..

فحياكم الله جميعاً أيها الأحباب وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً منزلاً من الجنة، واسأل الله جل وعلا أن ينضر وجوهكم، وأن يزكى نفوسكم وأن يشرح صدوركم وأن يتقبل منى وإياكم صالح الأعمال، وأن يجمعنى وإياكم فى الدنيا دائماً وأبداً على طاعته وفى الآخرة مع سيد الدعاة وإمام النبين، فى جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شئ قدير.

أحبتى فى الله:

إننا اليوم على موعد مع هذا الموضوع الذى أتألم كثيراً لأن دعاتنا وشيوخنا لا يذكرون الناس به إلا فى المناسبات فقط مع أننا فى أمس الحاجة إلى أن نذكره دائماً وأبداً.. امتثالاً عملياً لأمر حبيبنا ورسولنا المصطفى r : كما فى الحديث الذى رواه بعض أصحاب السنن من حديث ابن عمر وأبى هريرة رضى الله عنهم أنه r قال:"أكثروا من ذكر هاذم اللذات.. قيل وما هاذم اللذات يا رسول الله قا: الموت"([1])

فانتبه أيها المسلم .. فإن الموت قادم .. فإننا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات وانشغل فيه كثير من الناس عن لقاء رب الأرض والسموات .. إنك لابد أن تستقر هذه الحقيقة الكبرى فى قلبك وعقلك ووجدانك.. إن الحياة فى هذه الأرض موقوته محدودة بأجل، ثم تأتى نهايتها حتماً فيموت الصالحون .. ويموت الطالحون، يموت المجاهدون، ويموت القاعدون، يموت المستعلون بالعقيدة، ويموت المستذلون للعبيد، يموت المخلصون الصادقون الذين يأبون الضيم، ويكرهون الذى، ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن .. يموت أصحاب الاهتمامات الكبيرة والأهداف الغالية .. ويموت الفارغون التافهون الذين لا يعيشون فقط إلا من أجل المتاع الرخيص .. الكل يموت {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ}  ([2])

ولذا سميت هذه الحقيقة فى القرآن بالحق فقال جل وعلا : {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }([3])

وجاءت سكرة الموت بالحق
وجاءت سكرة الموت بالحق

 

والحق أنك تموت .. والله حى لا يموت
والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة
أو ملائكة العذاب.

وجاءت سكرة الموت بالحق

 

والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران

ذلك ما كنت منه تحيد..

 

ذلك ما كنت منه نهرب .. ذلك ما كنت منه تجرى .. ذلك ما كنت منه تخاف..

تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض .. خوفاً من الموت ..

وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع .. هرباً من الموت ..

وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ .. رعباً من الموت ..

ولكن .. ثم ماذا؟

أيها القوى الفتى .. يا أيها الذكى .. يا أيها العبقرى .. يأ أيها الكبير .. يا أيها الوزير .. يا أيها الأمير .. يا أيها الصغير ..

كل باك فسيبكى
وكل مذخور سيفنى
ليس غير الله يبقى

 

 

* * *

وكل ناع فسينعى
وكل مذكور سينسى
من علا فالله أعلى

أيا من يدعى الفهم
 تتبع الذنب بالذنب
أما بان لك العيب
وما فى نصحه ريب
أما أسمعك الصوت
فتحطات وتهتم
وتختال من الزهو
كأن الموت ما عم!
إلى اللحد وتنغط

 

 

 

 

 

 

 

إلى أضيق من سم

إلى كم يا أخى الوهم
وتخطى الخطأ الجم
أما أنذرك الشيب
أما نادي بك الموت
أما تخشى من الموت
فكم تسير فى السهو
وتنفض إلى اللهو
كأنى بك تنحط
وقد أسلمك الرهط

هناك الجم ممدود
إلى أن ينخر العود
فذود نفسك الخير
وهيئ مركب السير
بذا أوصيك يا صاح
فطوبى لفتى راح

 

ليستأكله الدود
ويمسى العظم قد رم
ودع ما يعقب الضير
وخف من لجة اليم
وقد بحتك من باح
بآداب محمد يأتم

وصدق الله جل وعلا إذ يقول:

{كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}([4])

كلا إذا بلغت التراقى .. إذا بلغت الروح الحلقوم..

وقيل من راق : من الذى يرقيه؟ من الذى يبذل له الرقية؟ من الذى يقدم له العلاج؟ من الذى يحول بينه وبين الموت؟

أنظر إليه!! وهو من هو؟ صاحب السلطان! صاحب الأموال! صاحب السيارات.. صاحب العمارات .. صاحب الوزارات..

أنظر إليه وهو على فراش الموت .. التف الأطباء من حوله .. ذاك يبذل له الرقية .. وذاك يقدم له العلاج .. يريدون شيئاً، وملك الملوك قد أراد شيئاً آخر..

أنظر إليه أيها الحبيب أصفر وجهه، وشحب لونه، وبردت أطرافه، وتجعد جلده ، وبدأ يحس بزمهرير قارس، يزحف إلى أنامل يديه وقدميه. يحاول جاهداً أن يحرك شفتيه بكلمة التوحيد، فيحس أن الشفة كالجبل، لا يريد أن يتزحزح إلا لمن يسر الله له النطق بـ لا إله إلا الله.

إلا لمن عاش على الإيمان، ومات على الإيمان كما قال ربنا جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} ([5])

وينظر إلى أهله .. إلى أحبابه .. فيراهم مرة يبتعدون ومرة يقتربون ويرى الغرفة التى هو فيها مرة تضيق عليه فتصير كخرم إبرة ومرة يراها كالفضاء الموحش.

فإذا وعى ما حوله .. فى الصحوات .. بين السكرات والكربات .. نظر إليهم نظرة استعطاف.. نظرة رجاء .. نظرة أمل .. نظرة تمن وقال لهم بلسان الحال بل وبلسان المقال:

يا أحبابي .. يا أولادى .. يا أبنائى .. لا تتركونى وحدى ولا تفردونى فى لحدى.. أنا أبوكم .. أنا حبيبكم .. أنا الذى بنيت لكم القصور .. أنا الذى عمرت لكم الدور.. أنا الذى نميت التجارة .. أنا صاحب الجاه .. أنا صاحب الوزارة .. أنا صاحب السلطان .. أنا صاحب الأموال .. أنا صاحب الكرسى .. أنا .. من أنا .. لا تتركونى وحدى.. ولا تفردونى فى لحدى!!

فأفدونى بأعماركم .. من منكم يزيد فى عمرى ساعة أو ساعتين؟! وهنا يعلو صوت الحق كما قال الله وجل وعلا:

{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} ([6])

سبحانك يا من ذللت بالموت رقاب الجبابرة.

سبحانك يا من أنهيت بالموت آمال القياصرة.

سبحانك يا من نقلتهم بالموت من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجوارى والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم فى ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ فى الوحل والتراب!!

وقيل من راق: أى من الذى يرقى بروحه إلى الملك جل وعلا.

أى من الذى يرتقى بهذه الروح من الملائكة

وظن أن الفراق .. والتفت الساق بالساق.

أهذا هو الذى سيخرج به؟

هذه الأكفان .. هذا القماش .. أين ماله؟ أين جاهه؟ أين كرسيه؟ أين سلطانه؟ أين دولاراته؟ أين أولاده؟ أين جنده؟ أين طائراته؟ أين دباباته؟ أين وزاراته؟ أين الجاه؟

أهذا هو الذى سيخرج به؟

النفس تجزع أن تكون فقيرة
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت
هى القناعة فالزمها تكن ملكاً
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

 

والفقر خير من غنى يطغيها
 فجميع ما فى الأرض لا يكفيها
لو لم تكن لك إلا راحة البدن
هل راح منها بغير الطيب والكفن

يتبع الميت ثلاث:

ماله وأهله وعمله فيرجع أثنان ويبقى واحد يرجع الأهل ويرجع المال .. يقسم المال على الورثة ولا يبقى لك إلا عملك.

يا من شغلك مالك عن حقوق الله جل وعلا.

يا من شغلك مالك عن السجود لله جل وعلا.

يا من سمعت المؤذن يقول لك حى على الصلاة فى بيتك وفى تجارتك وفى حقلك وفى وزارتك وفى مكتبك ما تحرك فيك ساكن وما قمت لله جل وعلا تضع الأنف والجبين فى التراب ذلاً لخالقك.

تذكر .. يقال لك بلسان الحال:

رجعوا وتركوك .. وفى التراب دفنوك .. وللحساب عرضوك ولو ظلوا معك ما نفعوك .. ولم يبق لك إلا عملك مع رحمة الحى الذى لا يموت ..

انتهى كل شئ .. أين فلان؟ مات.

فكم من ليلة يفرح الناس بها .. يسهرون ويمرحون ويضحكون وفى الصباح الباكر يبكون : {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} ([7])

يا نفس قد أزف الرحيل وأظلك الخطب الجليل

                        فتأهبى يا نفس لا يلعب بك الأمل الطويل

فلتنزلن بمنزل ينسى الخليل به الخليل

                        وليركبن عليك فيه من الثرى ثقل ثقيل

قرن الفناء بنا جميعاً فلا يبقى العزيز ولا الذليل

نام هارون الرشيد على فراش الموت فقال لإخوانه من حوله: أريد أن أرى قبرى الذى أدفن فيه؟

فحملوا هارون الرشيد إلى قبرة .. فنظر هارون إلى القبر وبكى، ثم التفت إلى الناس من حوله وقال: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} ثم رفع رأسه إلى السماء وبكى وقال:

يا من لا يزول ملكه           ارحم من قد زال ملكه

ولقى الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل كم عمرك:

قال الرجل: ستون سنة.

قال الفضيل: إذن أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، يوشك أن تصل .

فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال الفضيل: يا أخى هل عرفت معناها؟

قال الرجل: نعم عرفت أنى لله عبد وأنى إليه راجع.

فقال الفضيل: يا أخى إن من عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول، فليعد للسؤال جواباً.

فبكى الرجل فقال يا فضيل: وما الحيلة؟

قال الفضل: يسيره.

قال الرجل: وما هى يرحمك الله؟

قال الفضيل: أن تتقى الله فيما بقى، يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقى.

سفرى بعيد وزادى لن يبلغنى
ولى بقايا ذنوب لست أعلمها
وأنا الذى أغلق الأبواب مجتهداً
 ما أحلم الله عنى حيث أمهلنى
كأننى بين تلك الأهل منطرحاً
وقد أتوا بطبيب كى يعالجنى
واشتد نزعى وصار الموت يجذبها
كأننى وحولى من ينوح ومن
وقام من كان أحب الناس فى عجل
فجاءنى رجل منهم فجردنى
وأودعونى على الألواح منطرحاً
وأسكب الماء من فوقى وغسلنى
وحملونى على الأكتاف أربعة
وأخروجنى من الدنيا فوا أسفا
وقدمونى إلى المحراب وانصرفوا
صلوا على صلاة لا ركوع لها
وانزلونى إلى قبرى على مهل
وكشف الثوب عن وجهى لينظرنى
وقال هلو عليه التراب واغتنموا
يا نفس كفى عن العصيان واكتسبى
يا نفس ويحك توبى واعملى حسناً
وامنن عليك بعفو منك يا أملى

 

وقوتى ضعفت والموت يطلبنى
الله يعلمها فى السر والعلن
على المعاصى وعين الله تنظرنى
وقد تماديت فى ذنبى ويسترنى
على الفراش وأيديهم تقلبنى
ولم أر الطبيب اليوم ينفعنى
من كل عرق بلا رفق ولا هون
يبكى على وينعانى ويندبنى
نحو المغسل يأتينى يغسلنى
من الثياب وأعرانى وأفردنى
وصار فوقى خرير الماء ينطفنى
غسلاً ثلاثاً ونادى القوم بالكفن
من الرجال وخلفى من يشيعنى
على رحيل بلا زاد يبلغنى
خلف الإمام فصلى ثم ودعنى
ولا سجود لعل الله يرحمنى
وقدموا واحداً منهم يلحدنى
واسبل الدمع من عينيه أغرقنى
حسن الثواب من الرحمن ذى المنن
فعلاً جميلاً لعل الله يرحمنى
عسى تجزين بعد الموت بالحسن
فإنك أنت الرحمن ذو المنن
       

 هذه خياتك يا أبن آدم .. هذه قصتك .. من أنت؟

يا ابن التراب! ومأكول التراب غداً! أقصر .. فإنك مأكول ومشروب علام الكبر؟ وعلام الغرور؟

أنسيت أصلك؟ أنسيت ضعفك؟ أنسيت فقرك؟ أنسيت عجزك؟ أنسيت إنك من التراب خلقت؟ وإلى التراب تصير؟

فلم تحارب دين الله؟ ولم تحارب سنة الحبيب رسول الله؟ ولم تصد عن سبيل الله؟

تذكر .. تذكر أن الكرسى لو دام لغيرك ورب الكعبة ما وصل إليك! إن الدنيا مهما طالت فهى قصيرة .. ومهما عظمت فهى حقيرة لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر .. وأن العمر مهما طال لابد من دخول القبر.

وأنتبه واعلم بأن الدنيا دار ممر .. وبأن الآخرة هى دار مقر.

فخذوا من ممركم لمقركم .. ولا تفضحوا أستاركم عند من يعلم أسراركم قال لقمان لولده:

أى بنى إنك من يوم أن نزلت إلى الدنيا، استدبرت الدنيا واستقبلت الآخرة . فأنت إلى دار تقبل عليها أقرب من دار تبتعد عنها .. ، كم ستعيش؟ أيها المسئول! يا من حملك الله الأمانة . أمانة الحكم .. أمانة الإعلام .. أمانة الوزارة .. أمانة التربية .. أمانة التوجيه .. أمانة الأبوة.

أيها المسلم .. أيتها المسلمة ..

فلنتذكر جميعاً هذه الحقيقة إن الموت قادم.

إنها الحقيقة الكبرى التى تعلن على مدى الزمان والمكان فى إذن كل سامع، وعقل كل مفكر، أنه لا بقاء إلا للحى الذى لا يموت.

إنها الحقيقة التى يسقط عندها جبروت المتكبرين.

إنها الحقيقة التى يسقط عندها عناد الملحدين.

إنها الحقيقة التى يسقط عندها طغيان البغاة المتألهين.

{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}([8])

أنتبه فإن الموت قادم.

حقيقة لابد أن تستقر فى النفس.

إذا تذكرها المسئول اتقى الله فى رعيته.

إذا تذكرها الأب اتقى الله فى أولاده وزوجته.

إذا تذكرتها الأم اتقت الله فى زوجها وأولادها.

إذا تذكرها كل مسلم عرف أن الموت قادم .. وأنه فى الغد القريب سيترك ماله .. سيترك كرسيه .. سيترك جاهه .. سيترك منصبه . ليرى نفسه واقفاً بين ملك الملوك وجبار السموات والأرض ليكلم ربه .. نعم سيكلمك الحق جل وعلا .. سيكلمك الملك ليس بينك وبينه ترجمان كما فى الصحيحين من حديث عدى بن حاتم رضى الله عنه أنه r قال: " ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة".

انتبه يا مسكين!!

إنك لو وقفت بين يدى قاض من قضاه الدنيا ربما ارتعدت فرائصك واضطربت جوارحك، واصفر لونك ، وشحب وجهك.

فهل فكرت فى موقف ستعرض فيه بين يدى الملك جل وعلا.

تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً
والنار تلهب من غيظ ومن حنق
اقرأ كتابك يا عبد على مهل
فلما قرأت ولم تنكر قراءته
نادى الجليل .. خذوه يا ملائكتى
المشركون غداً فى النار يلتهبوا

 

متوحشاً قلق الأحشاء حيراناً
على العصاة .. ورب العرش غضباناً
فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا؟
وأقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا
وأمضوا بعبد عصى للنار عطشاناً
والموحدون بدار الخلد سكاناً

أنتبه أيها الحبيب:

{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} ([9])

من النافخ: إسرافيل.

بأمر من: بأمر الملك جل وعلا.

لماذا ينفخ النفخة الأولى؟: للفزع

{وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} ([10])

ويأمره الله بعد نفخة الفزع أن ينفخ نفخة الصعق: أى نقخة الموت.

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ }

ويأمره الثالثة: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ }([11])

يخرج الناس من القبور حفاتاً، عراتاً، عزلاً .. الرجال والنساء؟ نعم: الرجل مع المرأة .. المرأة أمامه عارية وهو أمامها عار لا ينظر إليها ولا تنظر إليه ؟ نعم .. ما هذا الذى وقع؟ وما هذا الذى حدث؟

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } ([12])

{فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}([13])

مثل لنفسك أيها المغرور
إذا كورت شمس النهار وأدنيت
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها
وإذا الجبال تعلقت بأصولها
وإذا العشار تعطلت وتخربت
وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت
وإذا البحار تفجرت نيرانها
وإذا الصحائف نشرت وتطايرت
وإذا الجليل طوى السما بيمينه
وإذا الجنين بأمه متعلق
هذا بلا ذنب يخاف جناية
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت

 

يوم القيامة والسماء تمور
حتى على رأس العباد تسير
وتبدلت بعد الضياء كذور
فلها على أهل الذنوب زفير
فرأيتها مثل السحاب تسير
خلت الديار فما بها معمور
وتقول للأملاك أين تسير
فرأيتها مثل الجحيم تفور
وتهتكت للعالمين ستور
طى السجل كتابه المنشور
يخشى القصاص وقلبه مذعور
كيف المصر على الذنوب دهور؟
لفتى على طول البلاء صبور

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}

إنه يوم القيامة .. إنه يوم الحسرة والندامة .. إنه يوم الحاقة .. إنه يوم الآزفة .. إنه يوم الزلزلة .. إنه يوم الوعيد..

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ}([14])


 

انتبه أيها الحبيب:

فإن هذا اليوم قادم .. والله لو أن الأمر توقف عند الموت بدون بعث وبدون حساب لكان الأمر سهلاً وهيناً وميسوراً..

ولكن بعد الموت بعث، وبعد البعث حشر، وبعد الحشر صحف ، وبعد الصحف ميزان، وبعد الميزان جنة ونيران.

إن الأمر والله جد خطير..

ستقف بين يدى الله جل وعلا، يكلمك، وتكلمة إن كنت من أهل التوحيد، من أهل الإيمان، من أهل الاستقامة قربك الله منه سبحانه.

أسمع لهذا الحديث الذى لا تساوية الدنيا بما فيها.

فى الصحيحين عن أبن عمر رضى الله عنه قال: قال r :

"يدنى المؤمن من ربة يوم القيامة، حتى يضع رب العزة عليه كنفه"

والكنف لغة: الستر والرحمة لا تأويلاً للصفة.

"فيقرره الله بذنوبة، تعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، رب أعرف، فيقول الله جل وعلا:

"ولكنى سترتها عليك فى الدنيا وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته"([15])

ويعطى كتابه بيمينه .. يشرق وجهه .. ينبثق النور من وجهه وعلى يمينه ومن بين يديه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ([16])

أهل  الأنوار.. اللهم اجعلنا وإياكم منهم . يأخذ كتابه بيمينه .. ينير وجهه.. تشرق أعضاؤه وينطلق .. ينطلق إلى أحبابه وإخوانه .. إلى أهل التوحيد إلى أهل الإيمان .. إلى أهل الأنوار وهو يقول لهم:

اقرأوا هذا الكتاب .. هذا كتابى .. أعطانى الله بيمنى .. يا فرحتى .. يا سعادتى ..، سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفاز فوزاً لا يخيب ولا يخسر بعده أبداً..

يقول لهم: أقرأوا .. هذا توحيدى .. وهذه صلاتى .. وهذه زكاتى .. وهذا حجى، وهذا برى .. وهذه صدقتى، وهذه دعوتى، وهذا إخلاصى .. وهذا انفاقى، وهذا بذلى .. وهذا عطائى..

{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} ([17])

أما إن كانت الأخرى عياذا بالله وحفظنا الله وإياكم وختم لنا ولكم بخاتمة الموحدين يقف بين يدى الله بمنتهى الخزى والذل والعار منكساً رأسه.

{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ* سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} ([18])

يقف ذليلاً أمام رب الأرض والسموات:

أين رأسك التى رفعتها فى عنان السماء على الموحدين؟

أين أنفك الذى شمخت به فى عنان السماء على الموحدين؟

أين مكانتك؟ أين غرورك؟ أين كِبرك؟

إنه فى موقف الخزى والذل والعار:

{وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} ([19])

يعطيه الله كتابه بشماله أو من وراء ظهره، ويسود وجهه، ويكسى من سرابيل القطران، ويقال له انطلق إلى أمك الهاوية .. إلى جهنم واليعاذ بالله فاخبر من هم على شاكلتك .. بهذا المصير . فينطلق وقد أسود وجهه .. فى أرض المحشر وهو يبكى ويصرخ ويقول :

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ} ([20])

أسأل الله أن يختم لى ولكم بالتوحيد.

أيها الحبيب .. الكريم:

{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ* وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ* لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } ([21])

شغلك مالك .. شغلك جاهك .. شغلتك تجارتك .. شغلتك وزارتك .. شغلك مكتبك .. شغلك كرسيك .. شغلتك زوجتك .. شغلك ولدك .. شغلتك ابنتك.

أيها الحبيب الكريم:

إننا لا نريد بذلك أن نقنط أحداً .. وإنما نرى الأمة الآن قد حق عليها وصدق فيها قول من لا ينطق عن الهوى الذى ورد فى الحديث الصحيح من حديث ثوبان
قال
r :

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكله إلى قصعتها قالوا: أو من قلة نحن قلة نحن يؤمئذ يا رسول الله؟ قال: كلا ولكنكم يومئذ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم وليقذفن فى قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت"([22])

من هنا ننطلق لنذكر الأمة بهذا الداء العضال الذى تمكن منها فذلت وأهينت لإخوان القردة والخنازير الذين كتب عليهم الذل والذلة.

أحبت الأمة الدنيا وكرهت الأمة الموت.. ما عملت للموت .. واستعدت للقاء الله.

فهل فكرت أيها الحبيب فى هذا السؤال، هل فكرت فى عرضك على الكبير المتعال.

هل يسعدك الآن أن تلقى الله عز وجل على ما أنت فيه من تقصير.

هل يسعدك الآن أن تلقى الله عز وجل على ما أنت فيه من تفريط أو تضييع.

أيها اللاهى .. أيها الساهى:

دع عنك ما قد فات فى زمن الصبا
لم ينسه الملكان حين نسيته
والروح منك وديعة أودعتها
وغرور دنياك التى تسعى لها
الليل فاعلم والنهار كلاهما

 

واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
بل أثبتاه وأنت لاه تلعب
ستردها بالرغم منك وتسلب
دار حقيقتها متاع يذهب
أنفاسنا فيهما تعد وتحسب

أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم.


 

الخطبة الثانية:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا لإله إلا الله وأشهد أن حبيبنا محمداً r.

أما بعد:

أيها الحبيب:

أنتبه فإن الموت قادم.. فهيا كما رهبنا وجب علينا أن نرغب، وكما خوفنا يجب علينا أن نرجى.

أيها الحبيب الكريم: أقبل وعد إلى الله، وتب إلى الله، ولا تقنط ولا تيأس مهما بلغت ذنوبك وكثرت معاصيك، وفرطت، وضيعت وخالفت.

هيا من الآن جدد التوبة، وجدد الأوبة، وجدد العودة، وعاهد ربك الآن على أن تتوب إليه توبة نصوحاً.

يا من ضيعت الصلاة عد إلى الله وحافظ على الصلاة فى جماعة.

يا من ضيعت الزكاة هيا وأدى حق الله.

يا من عققت والدك .. يا من عققت أمك .. يا من فرطت فى حق الله .. يا من آذنب إخواتك .. يا من حاربت الله ورسوله..

عد إلى الله، وتب إلى الله، وأعلم أن الله جل وعلا غفور كريم تواب رحيم هيا لنتب إلى الله جميعاً أيها المؤمنون.

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }([23])

أيها الحبيب الكريم:

ورد فى الحديث من حديث أنس أنه r قال:

"قال الله تعالى: يا ابن أدم؟ إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان منك ولا أبالى.. يا ابن أدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى.. يا ابن أدم! لو أنك أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى ولا تشرك بى شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة"([24])

تب إلى الله .. وعد إلى الله .. أيها الحبيب، ولا تيأس ولا تقنط.

{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}([25])

فهيا أيها الشاب .. عد إلى الله جل وعلا، وتب إلى الله سبحانه وتعالى. وأعلم بأن الله سيفرح بتوبتك .. وسيفرح بأوبتك .. وهو الغنى عن العالمين الذى لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية. .

وأعلم بأن الدنيا إلى زوال، وبأن الحياة الباقية فى جنة عند الكبير المتعال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}([26])

إلا أن سلعة الله غالية إلا أن سلعة الله الجنة، والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قا رسول الله r :

"الجنة بناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس أبداً، ويخلد لا يموتـ لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم"([27])

أيها الحبيب الكريم:

ورد فى سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان وفى سنده سليمان بن موسى مختلف فيه وبقية رجال الإسناد ثقاب من حديثى أسامة بن زيد أنه r وصف الجنة يوماً لأصحابه فقال:

" هى ورب الكعبة نور يتلألأ .. وريحان تهتز .. وقصر مشيد .. ونهر مضطرد، وفاكهة كثيرة وزوجة حسناء جميلة".

ثم قال عليه الصلاة والسلام:

إلا من مشمر للجنة .. قالوا نحن المشمرون لها يا رسول الله قال لهم: قولوا: إن شاء الله عز وجل ..

وأختم بهذه الأبيات، يقول على رضى الله عنه وأرضاه:

النفس تبكى على الدنيا وقد علمت
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها
فإن بناها بخير طاب مسكنه
أموالنا لذوى الميراث تجمعها
وكم من مدائن فى الآفاق قد بنيت
أين الملوك؟ التى كانت مسلطنة
إن المكارم أخلاق مطهرة
والعلم ثالثها والحلم رابعها
لا تركنن إلى الدنيا وزخرفها
واعمل لدار غد رضوان خازنها
قصورها ذهب والمسك طينتها
أنهارها لبن مصفى ومن عسل
والطير تجرى على الأغصان عاكفة
فمن يشترى الدار فى الفردوس يعمرها

 

أن السلامة فيها ترك ما فيها
إلا التى كان قبل الموت يبنيها
وإن بناها بشر خاب بانيها
ودورنا لخراب البوم نبنيها
أمست خراباً وأفنى الموت اهليها
حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
الدين أولها والعقل ثانيها
والجود خامسها والفضل باقيها
والموت لاشك يفنينا ويفنيها
والجار أحمد والرحمن ناشيها
والزعفران حشيش نابت فيها
والخمر يجرى رحيقاً فى مجاريها
تسبح الله جهراً فى مغانيها
بركعة فى ظلام الليل يحييها

واعلم بأن نعيم الجنة الحقيقى ليس فى خمرها ولا فى ذهبها ولا فى قصورها ولا فى حريرها ولكن نعيم الجنة الحقيقى فى رؤية وجه ربها.

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}([28])

وعن صهيب رضى الله عنه عن النبى r قال:

"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم" ([29])

اسأل الله جل وعلا أن يمتعنى وإياك بالنظر إلى وجهه الكريم. واللهم أقبلنا وتقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



(*)ألقيت هذه المحاضرة بقاعة المؤتمرات بودابست بالمجر.

(1) صحيح: {ص.ج.: 121 ، 1211، الإرواه: 682}، نس (1/258)، ت (2/50)، جه (2/4258)، حب (2559 – 2562)، كم (4/321) وغيرهم. وهاذم اللذات: أى قاطعها. 

(2) سورة آل عمران: 185.

(1) سورة ق : 19 – 22.

(1) سورة القيامة: 26 – 30.

(1) سورة فصلت: 30/32.

(1) سورة الواقعة: 83 – 96.

(1) سورة النجم: 43 ، 44. 

(1) سورة الرحمن : 26 ، 27. 

(1) سورة ق 19 ، 20. 

(2) سورة النمل: 87.

(3) سورة الزمر: 68.

(4) سورة الحج: 1 ، 2. 

(1) سورة عبس: 33-37. 

(2) سورة آل عمران: 30. 

(1) صحيح :{السنة : 604}، رواه البخارى (2/98)، (2441)، وأحمد (2/74)، ومسلم (8/105)، وابن ماجه رقم (183). 

(1) سورة التحريم: 8.

(2)سورة الحاقة: 19 – 24. 

(3)سورة إبراهيم: 49-50.

(1)سورة إبراهيم:15-17. 

(2)سورة الحاقة : 25 – 37.

(3) سورة ق 20-22. 

(1)صحيح : {ص.ج.: 8183، الصحيحه: 958}، د (4297)، أ (5/278)، وغيرهما. 

(1)سورة الزمر: 53. 

(1)حسن: {ص.ج.: 4338، الصحيحة: 127} ، ت (2/270). 

(2)سورة الفرقان: 70. 

(3)سورة القمر: 54-55. 

(4)صحيح: {ص.ج.: 3116، المشكاة: 5630} رواه أحمد والترمذى رقم (2528) والملاط: الطين يجعل بين ساقتى البناء، والأذفر: مسك أذفر إذا كان طيب الريح. 

(1)سورة القيامة: 22 – 23.

(2) صحيح: {ص.ج.: 523}، م (181/297، 298)، ت رقم 02552)، جه رقم (187) فى المقدمة، أ (4/332 – 333)، وأبو عوانة (1/156)، وابن أبى عاصم فى السنة (472). 

(0) تعليقات

:: gassi larabi

صناعة اللوحات الأشهارية و النيون
industrie publicité et neon
 
 
 

(2) تعليقات